16- جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
في [عبارة سينما الحمراء] كنت أقف ببسطتي أبيع [ناهي وجوز هند] وكنت قد تعاقدت مع بائع الجرائد الجوال في المنطقة [أبو حسن] أن أستأجر منه في كل صباح جريدة الجماهير التي تصدر في حلب وجرائد الأهرام والأنوار والجمهورية التي تصلنا من مصر ولبنان، هذا بالإضافة إلى ما يصدر من أعداد جديدة من مجلات المصور وآخر ساعة والكفاح العربي وغيرها من المجلات كالمستقبل والشبكة والموعد وأسماء أخرى لم أعد أذكرها كنت أستأجرها من أبي حسن بعشرة قروش لكل عدد وذلك منذ الصباح وحتى المساء وذلك أيام عطلة المدارس الانتصافية أو على امتداد العطلة الصيفية، وكان لزاما على نفسي أن أتصفح تلك الصحف و المجلات بكل ما فيها من موضوعات في الأدب والدين و الفن والسياسة والاقتصاد والعلم والطب والفكر والفلسفة وغيرها من الموضوعات المتعلقة بأنشطة الدولة وقوانينها وخططها و أنظمتها، ولا أذكر أنني كنت أشعر بكلل أو ملل من متابعة القراءة منذ الصباح وحتى المساء! غير أنها لم تكن بعد قد تبلورت عندي ملكة التمييز بين ما هو جيد أو ردئ، بل حسبي أن أقرأ و أن أعيد تلك الصحف و المجلات إلى صاحبها في الوقت المحدد بعد أن أكون قد التهمتها بحذافيرها، هذا و قد حباني الله بذاكرة جيدة فكانت الكثير من الموضوعات و المفردات التي أمر بها أحفظها، ثم تشكلت فيما بعد عندي فكرة مفادها أن ذاكرة الشعوب هي أس حضارتها، و أن أية أمة تلاشت من ذاكرتها دعائم الثقافة الثلاث [العلم و الفكر و المعرفة] فقد آلت إلى حطام
لقد بدأت تتشكل عندي في تلك الفترة من حياتي نواة ثقافة مقبولة بعض الشيء ذلك أنني لم أصل بعد إلى مرحلة التبحر الزائد في المسائل العلمية ذات التخصص و ما يرافقها من فهم و وعي و استنباط لدقائق الأمور التي كنت أعتبرها هي الأهم في عملية التكوين الثقافي السوي الذي يعد حجر الأساس في عملية البناء الحضاري
لقد أصبحت أرى أن الثقافة السطحية التي تخالطها الظنون لا تنفع بحال من الأحوال في أعمال نهضة حقيقية لأمة! بل إن الثقافة الحق تقوم على علم و فكر و معرفة يقينية لا يخالطها شك أو ظن و تلك هي أسس البناء الحضاري
نعم لقد رأيتني أقرأ و أقرأ لكنها ــ أي تلك القراءة ــ لم تكن بالنسبة لي تعني الثقافة الموسوعية التي أستطيع من خلالها أن أترجم سلوكي إلى سلوك قوي ومتماسك لا ثلمة فية ولا ضعف
ــ يحيى محمد سمونة.حلب ــ




0 التعليقات:
إرسال تعليق