ثلاثية لكَ أيّها البحر ُالغضوبُ ,,, بقلم الاستاذ.....أحمد عبد الرزاق عموري






ثلاثية
لكَ أيّها البحر ُالغضوبُ أحبائي
( مهداة إلى أهلي الشهداء الغرقى في البحر )
1 ـ الهجرةِ
قلْ يا أبا الفقراءَ قلْ..يا موْطني
هلْ هدْهدُ الترْحالِ يبسطُ في سريْرِ المجْتبى
فتنَ المزاعمِ نحو آمالِ البقاءْ؟
أمْ سوْفَ يأْتي مثْقلاً بالشّكِّ منْ أقْصى المواسم والنّهى ؟
فالموْتُ بعْدَ تنفّس الصّعْداءَ يبْدأ لحْنــهُ
والموْتُ يطْهو موْتنا في موْتنا
أَهِيَ القيامةُ سطّرتْ بالماءِ تابوتاً لنا؟
فالموتُ كالطّوْفانِ يأتي غازياً مُتوعّداً أهْلَ الورى
والرّيْحُ عاتية الزّوابعِ ترْتمي.. تُلْقي بذاكرةِ العبادِ ثمارها
موْجٌ تمادى كالجبالِ على مرايا صحْوهمْ
سفنٌ تعجُّ بمفْرداتِ الشّهْقةِ
قفزوا سريْعاً بعْدما مالَتْ مراكبَ لمْ تكنْ إلّا نظائرَ للْشفقْ
ولعلّهمْ .. يَلْقوْنَ منْ جزرٍ الخرافةِ موْطناً
وسْطَ الحطامِ المرْتدي غَضَباً وآياتِ الرّدى
جثثٌ كأضْرحةٍ تدوْرُ تدوْرُ بينَ مخالبِ الأقْدار معْلنةً نهايةَ رحْلةٍ
ووثائقُ الأسْفارِ ترْقصُ فوْقَ سطْحِ الماءِ كالْجنِّ الفصيحْ
وحقائبُ الغرْقى تلهّتْ مثْلما طفْلٍ على أرْجوْحةٍ..
تعْلو وتهْبطُ حسْبَ تَوْقيْتِ الهبوبْ
(لغْزٌ لأغْرب هجْرةٍ )..
بالبحْرِ تجْذبُ كالزلازلِ رجْفةً لا تنْتهي
و زوارقُ الإخْلاءِ كالحشراتِ تأْتي منْ حوافِ الوقْتِ مثْقلةَ الخطى
ناجٍ تنهّدَ في مرايا عوْرةٍ أمميّةٍ..
قوْلي قليْلاً من تسابيْحَ الغريقِ المسْتريْحِ على توابيْتِ المياهْ
رجلٌ يخاطبُ جثّـةً لمْ تحْتكرْ إلّا السكوتْ
أيسامرُ الأحْياءُ أمْواتاً بأرْوقةِ المحيطْ ؟
والموْتُ قطٌّ يدْخلُ الأرْواحَ حصْراً خلسةً
يترنّحُ الوجْدانُ كالسّفنِ الّتي هاماتها ما بعْدَ إعْصارٍ دنا
واليأْسُ مُلْتهبُ البراعمِ في روافدِ خوْفهمْ
هوْلٌ وويْلٌ يسْتفزُّ دمَ المنايا طاغياً
وخرائطُ الترْحالِ مثْمرةُ الكللْ
دمْعُ الوداعِ كأنّه يسْتصْرخُ ..مرْسى بلا هدفٍ يضمُّ رفاتهُ
وعجائزُ القاراتِ تعْمي عيْنها ..ووراءَ غمْزتها براعمُ قبْرنا
تغْزو بمخْلبها مراكبَ أهْلنا
أمْـرٌ أكيْدٌ موْتنا..
وأصابعُ القدرِ المجرّدِ وحْدها تهْتزُّ في أفْـقِ المدى
طوْقُ النّجاةِ بلا يدٍ يبْني بمثْقالِ المخاوفِ عجْزنا
قلقٌ يزفُّ الرّحْلةَ الحبْلى إلى شطِّ المتاهةِ ثمَّ يطْوي سرّنا
ندمي على وطنٍ يـُأنّـقُ جرْحهُ في كلِّ مرْآةِ النّـزيفْ
عيْشٌ بلا أملِ التلاقي لفّنا
هي هجرة ٌ أبديّةٌ..
قالوا هنالكَ سيرةٌ أخْرى لنا..مَـنٌّ وسلْوى أوْ ينابيْعُ المنى
أحبائنا كحقائبِ البوساءِِ تبْدأ غرْبةً
جبهاتها غسقٌ تعرّى من شعاعِ الخيْرِ أزْمنةَ النّدوْبْ
حرْبٌ بأسْلحةِ المهالكْ تنْتشي حبْلى على شفةِ الكروبْ
ما دلّهمْ إلّا دخانٌ بعْدَ برْقٍ جاءَ منْ رحْمٍ لقيطْ
وملامحُ النّذرِ الّتي هتفتْ هشيْماً رغْمَ أدْعيةٍ علتْ
ِ يصْطادها سقْمَ الدّليلْ
سَنَهشُّ بالشّعْرِ المدمّى غرْبةً..
فتحتْ سواحلها مليّاً للْسرابْ
فمتى يكونُ لنا مخاضٌ شامخٌ.. يـا موْطني ؟!
...........................
2-توابيتُ الهجْرةِ
(إلى سيلينا المهاجرة في بلاد الثلج)
لاشيءَ (سيْليْنا) سواكِ أمامَ ألْسنةِ الضّميْرِ المخْتفي
نادي لأمّكِ في بلادِ الشّامِ كي يحْلو المكانْ
عنْوانكِ المجْهوْلُ لَـوّحَ غصّةً ..تبدو ضفائرها مراسي للْمشيبْ
وهبوبُ عاصفةٍ تجفّفُ في رداءكِ شعْرها
وغنائمُ الموْجاتِ دُمْيتكِ الّتي كانتْ بحضْنكِ تحْتمي
هزّي بجذْعِ الوهْمِ كأساً للحليْبِ إليكِ يأْتي دافئاً
يشْفي مخيّلـةً تغيّـرَ طعْمها
قصصُ الأرانبِ والدّمى تسْهو على شطِّ المنامْ
وكأوّل المرّاتِ يسْلبها صقيْعُ الخوْفِ أوْ إثْمُ الخصامْ..
وكأوّل اللوْحاتِ لا مَرَحٌ بمسْرحها تدلّى بالأمانْ
طهْرُ الطّفوْلةِ مثْلما ماءُ الوضوءِ إذا تجلّى وقْتهُ
غطّى بذاتِ النّاسِ أدْرانَ اللّظى
حتّى طيور البحْرِ فوْقكِ سوْفَ تحْصي دمْعكِ
لابـدّ يمْلأها التوجّسَ منْ مصيْرٍ غامضٍ
فأنا أمامكِ طفْلتي أمٌّ بمعْتقدِ البداوةِ تسْتوي..
رغمَْ التصحّرِ في تضاريس الرّؤى
قَدَماكِ بالبرِّ الغريْبِ كأنّها حججٌ يسيْلُ لعابها
برْدٌ يَدَكُّ بكلِّ وقْتٍ غصْنكِ.. فزعٌ يروْضُ على شذاكِ جذوره..
وكأنـــَّه ُ يكسو بجلْدكِ وجْدهُ ..
حيويّةُ الأمسِ القريْبِ تكنّسُ اللهفاتِ في كلماتها
و مواءُ قطّتكِ الحزيـّنــةِ الملامحِ لمْ يزلْ
نغماً يحطّـمُ حيْثُ حلَّ سكيْنةً ..
أنغامها تشْوي بأشْرعةِ الحنينِ سريركِ
دارتْ ودارتْ كاليتيْمةِ في فضاءِ الدّارِ َتنـْشدُ ظلّكِ
فرصُ الحياةِ هنا تلاشتْ بالسّقامْ
يترنّحُ الوجْدانُ كالسّفنِ الّتي هاماتها ..ما بعْدَ إعْصارٍ دنا
بمشاعر الهجرانِ أو ثمرِ الرّحيلْ
والقلبُ مُلْتهبُ البراعمِ في روافدِ غصّةٍ
هلْ هدْهدُ النّسيانِ ينشدُ بالصّراطِ المجْتبى لحنَ السّقامِ؟!
أمْ سوْفَ يأْتي مثْقلاً بالشّكِّ منْ أقْصى الخلايا والنّهى ؟
بيني وبيْنكَ معْولُ الأقدارِ يحْفرُ بالسّرابِ مسافةً حمقاءْ
قلبي بمرْآةِ الغياب الآن يمشي كالقطا...
يعْلو ويهْبطُ حسْبَ تَوْقيْتِ الأملْ
قوْلي قليْلاً من تسابيْحَ الإله المسْتريْحِ على توابيْتِ الحروفْ
صمتٌ يطوْلُ على فمي...
وكأنَّهُ طيرُ الغرابِ المرتدي ثغْرَ الكلامْ
...............................................................
3-الطّيْنُ العنيدِ
يا صاحبي الإنْسانْ..
رعْدٌ مدوّي يكْبحُ الإحْساسَ والنّبْضاتِ حتّى المنْتهى
غضبٌ بأهْلِ الأرْضِ يصْبغُ نحْرها
فزعُ المخاوفِ ضمّها
والأرْضُ بحْرٌ يسْتوي من حوْلنا
حتّى شقوق القبرِ فاضتْ بالذّوائبِ ما تجلّى كاللّظى
مطرُ السّماءِ كما أبابيْلُ الحجارةِ تهْطلُ
وشقوقُ تلْكَ الأرض سيْل عارم
في دمعة ماء الدّماءْ
***
إنّي مسنُّ الشّرِّ ..مُلْتصقُ اللّظى
وجهي بمرْآةِ الترابِ فهلْ أنا ؟.. أبْدو أنا
شيءٌ بطبْعي نافرُ القسماتِ يصْرخُ بالغوى
منْذُ الولادةِ ندْبةُ الشّهواتِ تبْدو مسْرحاً
ألهو على أخْشابها كالقرْدِ منْقرضَ السّنا
زهْرُ الخطيْئةِ فوقَ أنْفي ريْحها
وأمامَها جسدي طريدُ سكيْنةٍ لمْ تكْتملْ
***
مسْتكْبرٌ يرْتدُّ عنْ عَلَقِ البدايةِ علـّـهُ
ينْسى عظاماً تكْتسي لحْماً بأمْرِ إلهنا
ويحضُّ دانيةَ المعاصي كلّما..
بشرى غزتْ بمنابع الشّهواتْ
يتهالكُ البشرُ الّذيْـنَ سعوا بمنْعزلِ الغواية والرِّبا
وكأنّهمْ إعْجازُ نخـْلٍ بعدَ واقعةِ أتتْ
ما قدّمتْ أيْدي لهمْ .. أوْ أخّرتْ .. تبدو لهمْ قاماتها
فسقٌ و إصْـرٌ يسْتبيْحُ الْخلْقَ والحْـَرْثَ أوْ معْنى الحياةْ
لمـّا طغى الماءُ المجلّلِ منْ عواقبِ أمْرنا
طينٌ كهيّئةِ الدّجى أرْخى قناعَ الزّهْدِ حتّى تسْتريْحَ ظلالهُ
ويودُّ بالنّسْيانِِ يُغْرقُ عُمْرهُ
وكدأْبِ آل الكفْرِ يبني حلْمهُ
وهو الجزوعُِ إذا أطلّ مصيرهُ
***
إبْليْسُ يجْمعُ خيْلهُ ورجالهُ
باعَ المواثيْقَ الّتي أغْوى بها الثّقلينْ ؛
فعلى يدي وقفَ المكانُ كحائرٍ
مسْتسْلماً بمواكبٍ تخْفي شتاءَ نعاسها
جسدي برابيةِ المعاصي ناطقٌ لغدي مرايا تعْكسُ ..
قلقاً تهادى فاتحاً أيدي الوصلْ
أيْنَ المواعيدُ الحبالى بالصّفا تنْهي المللْ؟
غابتْ أفانينُ التهجّدِ تحتَ أنفاس الجملْ
شوقي المسجّى في دمي غنّى تقاسيْمَ الكهلْ
ما ضمّ إلّا موعداً يُنهي الأجلْ
***
وتدُ الجهاتِ على تجاعيدِ النّهايةِ كالعجائز يقْتفي
رحْماً جديْداً بيْـنَ أنْقاضِ الوجودْ
فالْكوْنُ أبخرةَ الدّخانِ بدا كما لغة السّرابْ
والأحْمرُ القاني بأوْردةِ القلوبِ بدا كماءٍ من صديدْ
وبراعمُ الأضْدادِ ترْسمُ وحْدها أرواحنا
كُرْهاً أمامَ مزارعِ العشّاقِ أو دين الإله
مَرْسى سينْشدُ في مساركَ هيْئةَ الطّينِ العنيدْ
شفةُ السّديمِ كأنّها تطْوي غدي
إبْليْس حولي منْشدٌ
(لسْتُ القريْنَ المرْتجى يا أيّها الإنْسانْ
أنتَ المغفّلُ حيْنَ تنْسى مبْدأ التوْحيْد والإيْمانْ)
صَدَقَ الكذوْبُ بما تكلّمَ هاهنا
هذا قرينُ الأمْسِ يُنْكرُ ودّهُ
***
دمشق في 16/6/2013
الشاعر العربي الفلسطيني أحمد عبد الرزاق عموري


0 التعليقات:

إرسال تعليق