قصة قصيرة(من عالم طب الأسنان)
يُرجى عدم الاحراج
ممتلئٌ قلبّه بالأمل والتّفاؤل، ومفعمةٌ روحه بالحيوية والنشّاط،يشّع من عينيه بريقٌ من الثقّةِ بما تعلّمه في الكلية،قرر أنس أنّ يفتتح عيادته،ليمارس مهنته،التي قضى خمس سنوات من عمره في تعلّمها واتقانها،وعلّق عليها آماله وأحلامه، كان قد تخرّج حديثاًمن كلية طب الأسنان،بوجهٍ بشوشٍ طفولي الملامح ،بالإضافة إلى ابتسامته التي لا تفارق محياه، وتواضعه وبساطته،أكسبته هذه. الملامح قلوب الناس حوله من أصدقاء وجيران ومعارف.
افتتح أنس عيادته، المؤلفة من غرفتين،إحداهما جعلها للانتظار،فوضع فيها عدداً من الكراسي وطاولة صغيرة،وعلّق على جدرانها،لوحات خاصة بالأسنان،إحد اها توضّح تشريح السن،وأخرى فيها إرشادات عن طرق تفريش الأسنان،وثالثة عن أهمية أسنان ا لأطفال المؤقتةومواعيد بزوغها، أما الغرفة الثانية ،فوضع فيها كرسي المعالجة السنية وملحقاته،المعقمة وما تحتويه من أدوات فحص ومعالجة،بالإضافة إلى جهاز أشعة خاص بتصوير الأسنان،وطاولة متحركة صغيرة،وضع عليها الأدوية والمواد المستخدمة في المعالجات السنية،وطاولة مكتب له.
كان أول مريض يراجعه واسمه أحمد،شابٌ ثلاثيني ،طويل القامة،عريض المنكبين،يشكو من ألمٍ في فكّه العلوي،فشخّص أنس إصابته بالتهاب لبٍ حاد في ناب الفك العلوي الأيسر،أخذ موافقة المريض على ،إجراء معالجة لبيّةللناب،فخدّر المريض،ثم بدأ الحفر بمهارة،متوخياً الدقةَ والحذرَ في رسمِ حدود الحفرة،فأزالَ سقفَ الحجرةِ اللبية كاملاً،ثم أدخل الأدوات الخاصة باستئصال اللب،متحسساً النسيج الطري واللين للب السن،ناظراً بأنامله متتبعاً مسار قناة السن،فتلَ أداة الإستئصالِ بهدوءٍ، ثم جذبها إلى الخارجِ برويةِ العارفِ بمآل الأمور، فخرج اللبُ السني مرتبطاً بالأداة كخيطٍ صغير معلقٍ بابرة خياطة،فقال للمريض: انظر لقد أزلنا اللب السني كاملاً، فرد المريض مستغرباً:كيف يمكنُ لقطعة لحمٍ صغيرة كهذه أن تسبب ألماً شديداً؟!عانى منه طوال الليلة الماضية،فأجابه أنس:لابأس ،أحياناً شوكةٌ صغيرة في القلب من وردةٍ جميلة،تُسَبب ألماً وأرقاً أكثر! بعدها تابع عمله،فأجرى صورةً شعاعية لمعرفةِ طول الناب بدقةٍ متناهية، فكانَ كمهندسٍ يضعُ أساساً لمخطط بناءٍ ضخم،فالزيادةُ أو النقص في الطولِ،سيؤدي إلى كارثةٍ ،قد تُطفِئُ شمعةَ السنِ في الحياة،وبعد أن حددَ طولَ قناةِ السن، بدأ تشكيلَ القناةِ وتنظيفها،فكانت أناملهُ كموسيقيٍ،يعزفُ لحناً من طربٍ وفن وذوق،وحين انتهى غَسلَ قناةَ السنِ، وجففها جيداً ثم وضع قطنة نظيفة وترميماً مؤقتاً،في اليوم التالي،أزال الترميم المؤقت،فخرجت القطنة بيضاء نظيفة كما وضعها، غسل القناةَ مجدداً بمحاليلِ الارواء،ثم جففها جيداً،مزج على لوحٍ زجاجي، مادتين معاً من سائل ومسحوق لملئ قناة الناب، فبدا كرسامٍ يخلطُ ألوانَهُ، ليَرسِمَ لوحةً من علمٍ وعمل ودقة،ثم قام بملئِ قناةِ السن،بالمادة الناتجةِ عن المزج، ووضعَ الأقماعَ على الطولِ المناسب داخل قناة السن،بعدها قام بترميم السن ،بمادة صلبة(سمنت)تؤمن ختماً جيداً لقناة السن وحوافه،في الجلسة التالية أزال جزءاً من هذه المادة الصلبة،رمم الناب بمادةِ ترميمٍ ضوئية ،مطابقةٍ للونه ، وحينَ أنهى الترميمَ وشذبَهُ ولمعه ،كانت لوحةً فنية رائعة وجميلة،واكتملتِ اللوحةُ حين أجرى صورةَ أشعةٍ ثانية، حيث أوضحتِ الصورةُ،أنّ معالجةَ قناة الناب،كانت ممتازةً وناجحة وفق كل المعايير الشعاعية، ارتاحَ أنس لعملّه،وأحسّ بلحظة من سعادة وفخر وأمل، وشعر بأن ما تعلّمه في الكلية ، ومن كتب طب الأسنان، وكل جهده وتعبه في التعلّم والتدريب ،كان مفيداً له في حياتِه المهنية،طلبَ أنس من المريض أجورَ المعالجة،فقال له المريض على وجهه نظرةٌ صفراء:
هل انتهت المعالجة دكتور؟!
نعم لقدأخبرتك في الجلسة الماضية،أنه في المرة القادمة،سنرمم السنَ بحشوةٍ ضوئية،وننهي المعالجة.
فدّسَ المريضُ يده في جيبِ بنطاله الأيمن،ثم نقلّها إلى الجيب الأيسر،ثم إلى جيبه الخلفي، أعاد يده إلى جيب قميصه،بحركاتٍ خفيفة وسريعة،ثم قال:
-آسف دكتور يبدو أنّي نسيت محفظةَ نقودي في المنزل، ولا أستطيعُ العودةَ الآن،لأني ذاهبٌ إلى السوق مع أصحابي،سأمرُ بك غداً وأعطيك النقود.
فرد عليه أنس بهدوء:
-حسناً،لابأس ،موعدنا غداً
أغلقَ أنسُ العيادةَ،وخرجَ يسيرُ إلى منزله،يعصفُ رأسه بأسئلةٍ كثيرة،كيفَ ينسى المرء،محفظةَ نقوده في المنزل،وهو خارجٌ لزيارة الطبيب،ثم إلى السوق؟!هل سيأتي المريض غداً؟!ماذا إذا لم يأتِ؟! هل هو نصاب؟!هل........؟وبّخَ نفسه على هذه الأفكارِ والأسئلة، وأبعدها عن مخيلته،فالناسُ كلّهم خيرٌوبركة،وسوء الظنِ بهم إثمٌ،لذلك يجب أن لا يفكر بهذه الطريقة السلبية،غداً سيأتي أحمد،ويعطيه أجورَ المعالجة،مرتْ عدة أيامٍ ،ولم يأتِ المريض،فقال في نفسه ،لعلّه مريضٌ طريحَ الفراش،أو يمر بظروف خاصة، في الحقيقة لم يكن يهتمُ للنقود، ولو أخبره المريضُ،بأنه لايملكُ المالَ الكافي للمعالجة،أوأنه فقير ،كان سيجري المعالجة له مجاناً،تذكّر حين أخبّره بعضُ زملاءِ المهنة القدامى،أن عليه أخذ أجورَ المعالجة من المريض،قبل أن تنتهي المعالجة،لكنّه رفض مفسراً ذلك بأنّ مهنته انسانية، والهدفُ منها تخفيف آلام المرضى،ومساعدتهم على إعادةِ تأهيل أسنانهم بشكلٍ تخدمهم فيه على أفضلِ وجه،بعد شهرٍ أدركَ أنّه تعرضَ للنصب من المريض،فكتمَ غضبّه وخيبةَ أمله،وتعلّمَ أنس درساً في مهنته، لم يتعلّمه في الكلية،ومن حينها قررَ أنّ لا يستكملَ العلاجَ لأي مريض،قبل أن يكون قد دفع له كاملَ أتعابه،فوضعَ لوحةً في غرفةِ الإنتظار،كتبَ عليها:
"المرضى الكرامْ،يجبُ دفعُ كاملِ المستحقاتِ المالية، وأجورَ المعالجاتِ في الجلسةِ قبل الأخيرة، يُرجى عدم الإحراج"
د.فراس محمد الحميدي




0 التعليقات:
إرسال تعليق